الجمعة، 27 يوليو 2012

دلال.....




قصة قصيرة

المجتمع رقعة في الدنيا، هي مساحة قماش واسعة والمجتمع رقعة عبرها . هو ثوبٌ يلف جسد أفراده يطوقهم بعرفِهِ وعاداتهِ ويفرضُ أفكارَه. كثرٌ مَنْ يرون
في مساحةِ القماشِ اتساع والأكثر هم مَنْ تضيق عليهم . كثرٌ مَنْ يرونها ثمينة؛
يمجدونها ويتفانون من أجلها، وقلائل من يزهدون بها ويرونها بخسة رخيصة.
مَنْ تضيقُ عليهم الدنيا يتنقلون ويتقلبون عبر أقطارها وألوانها . يوقنون أن
كل ألوانها زاهية ما عدا الرقعة التي يحتلها مجتمعهم هي قاتمة سوداء عابسة.
من بين الرقع الكثيرة الزاهية والقاتمة والسعيدة والعابسة كان للمجتمع الذي تحياه" دلال" رقعة رديئة حِيكَتْ حولها بأيدٍ ماهرة . رغم رداءة القماش كانت الخيوط شديدة متينة , فلم تستطع " دلال " أن تتغلب عليها فتُقطعُها وتخرج خارجها ومهما استنفذت من طاقاتها وقدراتها تظل هذه الرقعة هي المتحكمة والحاكمة .

في محور هذه الرقعة عاشت "دلال" خاضعة لألوانها القاتمة ورائحتها الكريهة
النتنة . كنت أراقبها عبر حقب الزمن الجائرة ، هي صغيرة طفلة حائرة
لم تَلُمها كما الأطفال الآخرين أسرة وعائلة . أمها مطلقة وأبوها من بعدِ أمها
كان له الحق في الزواج من أخرى وكما المعهود في زوجة الأب كانت ظالمة.
ونتيجة لظلمها انفصلت هي وزوجها _كما تناديه_ فهو زوجها ولم يعد أباً لأحد.
انفصلت في بيتٍ مستقل وتركتْ " دلال" وأختها التي تكبرها ليعيشا وحيدتين
في بيتٍ ضئيلٍ حقير هجرته الكرامةُ وعزةُ النفسِ واستوطنه سؤال الناس
وأيدٍ ممدودة تستجدي من الدنيا كرماً فما أُعطيت هذه الأيدي سوى  تشرداً
ومقتاً وحقداً .

ولأن المعطيات دوماً تأتي بناءً على المدخلات ؛ كانت نتيجة حتمية أن تنشأ  "دلال" فتاة تصرفاتها غير لائقة يسميها كل من حولها تصرفات سوقية بجحة وفي أغلب الأحيان فاسقة .

في المدرسة _رغم صغر سنها _ لم يؤوها قلبُ أي معلمة ؛ فالشدة في عيونهن
كانت واضحة . وأبى المجتمع أن يبرر إهمالها في دروسها وسوقية تعاملها بظروف حياتها البائسة. لم تعد "دلال " يوماً إلى بيتها لتجد فيه حضناً يدفئها
أو حنانا يحواها بل جدران صامتة باردة واقفة لتحيط مساحة خاوية يسميها المجتمع منزل العائلة وتسميه " دلال" مركز الآلام الدائمة .

في هذه المساحة الخاوية تذكر شجارات الاثنين اللذين في نظرها مجرمين وفي نظر المجتمع بحكم الجينات والدين.

لم تؤويها جدران المنزل كما لم تؤوها من قبل جدران المدرسة فقضت طفولتها تشرداً وتخبطاً بين العادات والدين ، ولم تحترم أيٍّ منهما ؛ فكيف لها أن تعرف الاحترام؟؟   ولم يسبق أن احترمها أحد !!... ممقوتة هي أينما ذهبتْ وأينما جاءت ، تلمح المقت في وجوه الجميع أينما عيناها جابت. أبوها لم يكنْ لها يوماً
أباً كما لم يكن لها يوماً سند. وأمها قُمعَ ما تبقى في قلبها من حنانٍ بفعل الزمن،
وأختها التي تكبرها أرقدها أبوها داخل ما أسماه منزل خشية الوقوع في الرذيلة . مهدومة شخصيتها ومعدومة طموحاتها ،جالسة وحيدة خلف الجدران خشيتْ " دلال " أن يتخذ أبيها في حقها نفس القرار فلاذت بالفرار.

استجارت بالمدرسة التي طُردتْ منها من قبل فوجدتها مرة أخرى مقفلة ؛ فالمدرسة للأناس المجتهدة ، الشريفة ، المتعلمة و" دلال" كما عهدوها سوقية
حقيرة متمردة. خرجتْ " دلال " من المدرسة وأقفلوا خلفها الباب وبإقفالهم ذاك
الباب فُتِحتْ أمامها للفساد أبواب . عاشتْ دهراً خلف تلك الأبواب وبعد حدوث الضياع هبتْ في أبيها روح الشرف والنخوة ، وكما الرجل الشرقي كان لابد أن يثبت غيرته ورجولته وحمايته لشرفه وعرضه وهذا الشعور لن يتحقق إلا بأن
يُحنِّي يديه بدماءِ تلك الفتاة الساقطة التي كلما تذكرتها ما رأيتُ فيها إلا صورة
طفلة بريئة طاهرة لها عينان تبحثان عن مأوى في القلوب والعيون الجائرة،
لكن الدنيا تجبرت عليها وتخلى كل من حولها عن دوره إلا زوجة الأب التي أدتْ
دورها بمهارةٍ فائقة .....!!!

لا اعلم ماذا حلَّ بـ " دلال"  لكني منذ أيام رأيتُ أباها يمشي مختالاُ
فأيقنت مصيرها  ، فليس للشرقي أن يتبختر بمشيته إلا بعد أن
يُحنِّي يديه بلون الدم ويختم كفَ يدٍ بنفس اللون على باب بيته .


زينة زيدان

هناك 25 تعليقًا:

  1. حد لسه بيقول الكلام ده

    شوف بيتك وشغلك احسن من العك ده

    ردحذف
  2. القصه على قد ما هي موجعه على قد ما هي واقعيه و على قد ما سيناريو تكرر و هذا الكلام رد ع الاخ الي فوق بس لسا عم بيصير ورح يصير و كل يوم رح نشوفه بصورة جديده و اسماء جديدة

    الله يعافينا و يحمي بناتنا و بنات الامه و يصلح حال المجتمع

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك حنين على تعليقك الصائب
      فهذا الأمر للأسف واقع موجود رغم تحاشي
      الكثيرين للكتابة عنه


      اللهم أصلح أحوالنا

      حذف
  3. دائما تمتعينا باحداص واقعيه نشعر بها من خلاص الاحرف
    قصه مؤلمه لكنها مؤثره زينه
    تحياتى ابوداود

    ردحذف
    الردود
    1. أخي ابو داود

      القصة موجودة بكل تفاصيلها للأسف في كل مجتمعاتنا

      حذف
  4. للأسف هذا حال بعض فتياتنا .. نضعهن على طريق الفساد والخطيئة ، ثم ندعي الرجوة والشرقية لنقوم بمعاقبتهن على وضع نحن من وضعهن فيه ..

    قصة واقعية وغير مستبعدة في مجتمعاتنا للأسف ..

    سلمت يداكِ يا زينة .

    ردحذف
    الردود
    1. من وجهة نظري فإن المجتمع هو من يساهم بخلق الرذيلة

      هذه القصة بالفعل واقعية
      أشكر تواجدك المميز امتياز

      حذف
  5. المجتمع للأسف يظلم كثير ولا يغفر الخطايا و الزالات حتى بعد عقود و عقود

    ردحذف
    الردود
    1. رشا صديقتي
      اشتقت لتواجدك معنا
      المجتمع للأسف في كثير من الحالات هو الصانع الأول للمجرم

      كل عام وأنتِ بخير عزيزتي

      حذف
  6. الأب لم يرحم فكيف بالمجتمع ..!
    المجتمع لا يرحم حتى بعد الممات ..

    سلمتِ يا زينة

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزتي هيفاء
      لقد أوجزتي فكرتي بعبارتين لا أكثر
      وقولتِ ما وودت إيصاله
      قراءة مميزة أختي
      أشكرك

      حذف
  7. قصه مؤلمه يا زينه
    تحياتى

    ردحذف
    الردود
    1. مؤلمة
      لكنها للأسف موجودة

      لك اعتزازي

      حذف
  8. قصة جميلة ومؤثرة أختي زينة
    بارك الله جهودك
    فعلا هي قصة كثيران ممن جنى عليهن وضعهن العائلي و لم يحتضنهن المجتمع بالشكل المطلوب
    و الأدهى تلك العزة التي يبحث عنها بعض الفاشلين عبر الدم
    تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. أخي محمد
      العزة التي يبحث عنها عبر الدم هي عقيدة لدى الكثيرين يؤمنون بها ..
      لا أبرر ردة الفعل بقصتي ولكن وددت أن أعالج السبب

      تحيتي لك أخي الكريم

      حذف
  9. بداية عجبني وصفك للمجتمع بالشكل الذي رسمتينه في الأسطر الأول من القصة..
    كم تزخر كل مجتمعاتنا بمثل دلال و مثل أبيها،هي قصة لا تجعلنا نبكي على دلال بل تجعلنا نبكي على مجتمع بأسره، تفشاه التفرق و الإهمال و قطع الرحم و التخاذل أمام المسئوليات التي هي حق و واجب و فريضة، بكاء على مجتمع إكتسى بزخارف الفضيلة و خلت روحه منها،لا يساعد من يغرق و لا يغفر و يحتضن من تاب.
    ..
    دامت روعة قلمك زينة و دامت روعة أفكارك..و أشكرك على تعليقك عندي جزيل الشكر و أتمنى أن تقرأي تعقيبي عليه..كل التحية.

    ردحذف
    الردود
    1. أخي أحمد
      سعيدة بتواجدك و كلماتك التي لخصت مقصد وفكرة القصة
      و للمجتمع دوما دورا في تشكيل حياة أفراده
      ودوما أتابع كتاباتك التي تعجبني
      و ما كان تعليقي إلا مجرد استفسار
      فأشكرك وأشكر سعة صدرك

      حذف
  10. نحن نتعلم من بعضنا البعض أخت زينة،و و الله أسعدني جدا تعليقك،فهو قد جعلني أراجع معلوماتي اللغوية و حثني على البحث ،و ها هي الروابط و سأنشرها عندك فربما لا تريها في مدونتي
    ..
    هذا هو رابط بادية

    http://www.almaany.com/home.php?language=arabic&word=%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9&category%5B%5D=%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84&cat_group=1&lang_name=%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&type_word=0&dspl=0

    و هذا هو رابط بيداء،و ستجدي جمع الجمع بَيادِ في النقطة رقم 4

    http://www.almaany.com/home.php?language=arabic&lang_name=%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&word=%D8%A8%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%A1&type_word=0

    كل الشكر و التحية أخت زينة و اتمنى منك دوما أن تنبهيني لأي خطأ ترينه فهذا هو ما سيحسن مستواي الكتابي..تحياتي.

    ردحذف
  11. قصة مؤثرة غاليتي زينة لا نعلم ماذا حل بها لكن نتمى أن يكون مستقبلها أجمل من ماضيها البائس!!

    تحية ود وإعزاز

    ردحذف
    الردود
    1. المؤلم أن هذه القصص موجودة
      ومتكررة
      يسرني أن القصة لاقت إعجابك

      أشكرك صديقتي

      حذف
  12. أولاً: أعجبتني اللغة الشاعرية الناضجة.
    ثانياً: وصفك للفتاة يكاد يكون من قلب الواقع، ومؤثر جداً.
    ثالثاً: السؤال هنا: هل هي قصة؟ بمعني هل تدخل في باب الخواطر، أو الهواجس، أو المقطوعات الأدبية التي كُتبت بشكل مندفع- لا ينفي عنها صفة النضج كما أسلفت- بسبب موقف ما أو حالة ما، أم هي قصة مكتملة الأركان؟ الذي جعلني أطرح هذا السؤال هو أن الكتابة كانت مباشرة بشكل واضح، والنهاية متوقعة لأنها واقعية وتناسب سياق الحديث عن البطلة.
    أشكرك على النصّ- أياً كان تصنيفه- وأرجو لكِ أعمالاً أفضل وأرقي.

    ردحذف
  13. تسلم ايديك على الموضوع
    Räumung - Räumung

    ردحذف

زودني بثقافتك .. مساحة النقاش بين يديك