الاثنين، 2 يوليو، 2012

أشياء من هنا... عُرسٌ في المخيم ... الجزء الثالث



أشياء من هنا...

عُرسٌ في المخيم

الجزء الثالث 





أفراحنا دوما مؤقتة ، لكن أهلنا يعطون الأفراح حقها . فأنت تشعر بالفرح في كل ركن وزاوية . كل شيء مزين مجمل ، فلمبة النور التي تنير الشارع ها قد أصلحها "أبو محمد" بعد أن حُطمت بفعل جندي عندما أغلقوا المخيم للقبض على ابن الجيران " أشرف " ، وغرفة الضيافة التي هُدمت أرضيتها بحثا عن سلاح كان بحوزة " محمد" ها قد أُعيد تعميرها .... الجدران العتيقة طليت بلون مبهج ... كل شيء يرقص ويترنم بلحن جميل لم يعزف في هذا البيت من قبل ...

طفلات صغيرات أعمارهن لم تتجاوز العشر سنوات  ، يرتدين فساتين بيضاء ...
حمامات هن بل أجمل .. ينافسن الحلم في رقته والملاك في براءته  ...
مَنْ هم في مثل أعمارهن من الأولاد يرتدون بدل وربطات عنق ، وكم تضجرهم تلك الربطات ، كيف لطفل المخيم أن يرتدي ربطة عنق وهو طوال العام بلا حذاء ...؟؟!!

بينما أتأمل بين الحلقات الثلاث فإذا ب " الكاسيت " يصدح بأغاني الدبكة الشعبية : 
""يلا نشبك إيد بإيد على الدبكة الفلسطينية ......."
كان الجميع كأنه منتظر هذا التصريح ما إن دقت ألحان الدبكة حتى اتحدت الحلقات في حلقة دبكة واحدة ، فكلا الجيلين يعشقان  هذه الرقصة الشعبية المحدثة ..
الدبكة الشعبية لا يكاد فرح فلسطيني يخلو منها فهي الرقصة التراثية الشعبية  التي يصطف بها عدة أفراد كفرقة واحدة تؤدي حركات منتظمة وموحدة بالأرجل والأكتاف ...., يصطفون بها جنبا إلى جنب بأيدٍ متشابكة وحركات موحدة وقلب واحد  ويؤم فرقة الدبكة المُلوح الذي يتقدمهم وينظم الحركات ...


زاد الفرح و السرور في بيت العروس في قلب المخيم .، ودارت بين الضيوف كؤوس الشراب .... وتعالت أصوات الأطفال من الخارج بحماس ..." وصلت العروس ... وصلت العروس "
كانت هتافات الأطفال كأنها إعلان عظيم . فوقف الرجال في الخارج وزادت النساء من حركاتهن ورقصاتهن في الداخل وارتفع صوت "الكاسيت" إلى ذروته ....
للحظات أصبح الفرح سيد البيت والحزن سقط عن العرش فأمسى عبدا لا أحد يلتفت إليه ...
و كان الفرح كنجفات معلقات في أسطح البيت .

وبينما نحن بين لحظات الفرح نتنقل طلت علينا العروس بفستانها الأبيض و بجمالها  وبالفرحة التي تطل من عينيها فتنشر السعادة في قلب أم محمد وأبو محمد وكل الحاضرين .... شمس تطل من عينيها...أضاءت أكناف البيت و أنارت المخيم بأكمله .
 كونها عروس، وكونها بكامل زينتها ، وكونها ترتدي فستانها الأبيض لمرة واحدة في العمر لم يشفع لها عن عبور الشارع الضيق مشياً.... قطعت الشارع ، وصلت الأعتاب ، وأخيرا دخلت بيت أبيها ، جلست على كرسيها ... سكت الجميع وأسكتوا "الكاسيت " ...
في نصف حلقة التفت النسوة من حولها بثيابهن وزينتهن التي لا تضاهى .. تناوب الجميع على السلام عليها وهي  بين الفرحة والخجل ترتبك ، تسلم على النسوة ... لا تعرف أغلبهن وتُشعر الجميع بأنهم أهلها.
في نصف حلقة أخذن النساء يرددن الأهازيج  و " المهاها " وهي جزء من تقاليد الأفراح الفلسطينية حيث تعدد النسوة محاسن العروس و أهلها في كلمات مصفوفة مسجوعة ثم يتبعنها بزغرودة موحدة من جميع الموجودات "أووويهااا وجهك مدور و 17 مدينة فيه ...أووويها يا دولة القدس والرملة تقيل فيه ... تفاح شامي وإن هب الهوا يرميه..........للووووييييييي"
صدح صوت الزغاريد .... وتعالى بصخب ..

في داخل الحلقة تتلفت أم العروس " أم محمد " في وجوه الموجودات ثم انطلقت للخلف وأتت بأم محمود و جعلتها في صدر الحلقة ..." أم محمود " أم الأسير  الذي أُسر منذ ثلاث سنوات .. لا بد أن تكون اليوم في صدر الموقف كما اختار ابنها أن يكون في صدر القضية.....!!
و في  مثل هذا الموقف لا بد أن يكون "محمود" حاضرا فانطلقت المهاهاة من أحد النسوة إيفاء لأم محمود ولصبرها : 
" أويهااااااااا  يا صحن رايب ...أويهاااااااا  وعليه السمن ذايب ... يا شوبش و رفعة راس إليك يا محمود ولو إنك في السجن غايب ...لللووووووووووووليييييي..."

وبعد دقائق معدودة أتى الفارس ليصطحب عروسه إلى صالة الأفراح كي يكمل مراسم الزفاف حسب عادات أهل المخيم .أخذ العريس عروسه من يدها والجميع خلفهما يغني حتى أوصلوها إلى رأس الشارع حيث تنتظرهما سيارة مزينة بأكاليل الورود والأشكال والحروف التي تجمع اسميهما .
وكان هناك مركبات وحافلات كبيرة لنقل الضيوف إلى صالة الأفراح ..
لم يكن لدي وقت لأكمل باقي مراسم الزفاف فاكتفيت بهذا القدر وعدت وأنا فرحة جداً
لأن أهلنا رغم الصعاب مازالوا يحملون في نفوسهم معالم البسمة ...
ورغم المعاناة المستمرة هم يعرفون كيف يفرحون..


 انتهى...

زينة زيدان

هناك 30 تعليقًا:

  1. مراسم فلسطنيه جميله تعرفت عليها انا شخصيا
    ونفسي في يوم من الايام اشوفها بعيني
    عاشت ام محمود
    وعاشوا العروسين والف مبروك لللللللويييي
    تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزتي كارولين
      كم أتمنى أن تظل بلادي غيمة نصر واستقرار وتتيح الفرصة لعشاقها بأن يشرفونا بزياراتها..
      عشتِ صديقتي
      وعاش جمال قولك

      تحيتي

      حذف
  2. صباح الغاردينيا زينة
    :)
    سردك رائع شعرت وكأني كنت مدعوة هناك
    رائع الاحتفال رغم الألم
    ويارب نحتفل بفلسطين يوما ً عروساً تزف للحرية "
    ؛؛
    ؛
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    Reemaas

    ردحذف
    الردود
    1. طابت أوقاتك ريماس
      أنتِ بالفعل كنتِ مدعوة فهنا حاولت بقدر استطاعتي أن أرسم لكم ما جرى هناك ..
      أشكر دعواتكِ الطيبة

      تحيتي لكِ عزيزتي

      حذف
  3. هو عُرس الفرح .. والسعادة حتى ولو بأسبط الأشياء .. جميل ما خطته أناملك تحياتي ولكم الحرية بإذن الله

    ردحذف
  4. هو عُرس الحرية بإذن الله

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزتي كريمة

      سيكون للحرية حفل كبير في بيتنا العربي الكبير
      والوقائع تحمل البشائر
      والركب يمضي نحو النصر
      صبرنا كثير
      وما بقى سوى القليل

      تحيتي

      حذف
  5. طقوسكم لها طابع دافىء و احساس رائع
    وصفتيها بدقة رائعة
    ربنا يجعل كل ايامكم افراح

    ردحذف
    الردود
    1. أخي مصطفى

      العادات في كل مكان لها طابعها المميز ولكن هي متقاربة متشابهة لدى العرب جميعا مع اختلافات بسيطة..
      أتمنى لو تمكنت يوما من حضور زفاف مصري

      أشكرك وأشكر دعواتك الطيبة
      تحيتي

      حذف
  6. ابداعك يفوق الوصف فى كلمات
    فعرسكم رائع شامخ كهامتكم
    فزده اللهم واحفظ
    فلسطين الغاليه من الكبوات


    تحياتى لشعورك الدائم بوطنك زينتنا

    ردحذف
    الردود
    1. اخي محمد

      رغم الأحزان التي تكتنف الأماكن حولنا إلا اننا نحاول ان نرفع الشوك من فوق الورد ونشتمه ونستمتع برائحته الذكية

      أشكر أخي
      تحيتي

      حذف
  7. ما شاء الله تقاليد وطقوس رائعه نشعر من خلالها بالسعاده والسرور نتمنى ان يسعد الله كل فرد فلسطينى وعربى نتمنى ان تعطينا نبذه ايضا عن تقاليد وطقوس دخول شهر رمضان المبارك
    تحياتى ابوداود

    ردحذف
    الردود
    1. أبو داود

      لرمضان هنا اجواء جميلة و خاصة جدا
      وسأحاول أن أكتب عنها
      وكل عام وأنت بخير

      تحيتي

      حذف
  8. " أويهااااااااا يا صحن رايب ...أويهاااااااا وعليه السمن ذايب ... يا شوبش و رفعة راس إليك يا محمود ولو إنك في السجن غايب ...لللووووووووووووليييييي..."

    ::::::::::

    لحظات جميلة في عرس فلسطيني يقام رغم كل الأحزان التي تحيط بنا .. فنحن الأقدر على صنع الابتسامة وسط شلال من الدموع ..

    سلمت يداك يا زينة الصبايا .

    ردحذف
    الردود
    1. صديقتي امتياز

      أعراسنا في حقيقتها هي هروب من الحزن والألم الذي يستوطن معظم الأماكن لنجد لأنفسنا لحظة فرح نقتسمها و نجدد بها الحياة

      سلمتِ عزيزتي

      حذف
  9. جميل و الله
    :)
    اسمها (المهاها)
    لازم آويها يكون الاسم :)

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا شيشاني

      انا سألت قالولي مهاها وبتبدا بآويها

      شو بعرفني هيك حكولي

      حذف
  10. إلي زينة المدونات زينة زيدان
    جميل يازينة أن يحتفظ الناس عندك بهذا القدر من العناد في القبض علي لحظات الفرح القليلة في حياتناهذه، موهبة يمنحها الله للناس ليعوضهم عن عناء الغربة داخل الوطن. أتمني دوام فرحكم يازينة إلي فرحة يوم عودة كل ما غاب ومن غاب للشعب الفلسطيني الأبي. مع خالص التحية والتقدير
    د. محمد زكريا الأسود

    ردحذف
    الردود
    1. د . محمد

      لقد افتقدتك كثيرا
      أتمنى ان تكون بخير
      لقد أنرتنا اليوم بوجودك
      أشكر دعواتك الطيبة

      حذف
  11. " أهلنا رغم الصعاب مازالوا يحملون في نفوسهم معالم البسمة ...
    ورغم المعاناة المستمرة هم يعرفون كيف يفرحون "

    كم هى الافلام الوثائقية التى شاهدتها عن مخيمات اللاجئين الفلسطينين ..
    وكم كان يزداد حزنى - فى كل مرة - على الواقع المرير الذى يعيشه إخوتى فى فلسطين الحبيبة ..
    ولكن كانت كل تلك الافلام - تقريباً - تركز على جانبٍ واحدٍ فقط .. هو جانب المأساة ..
    كان معظم معدى تلك الافلام يفوتهم الالتفات إلى لحظات السعادة التى تزور أهالينا الفلسطينيين من حينٍ لآخر.

    إنها لحظاتٌ نحتاجها ولا غنى لنا عنها لنخفف بها بعضاً من احساسنا بآلام الواقع , ونستشعر بها حلاوة الأمل فى غدٍ أفضل إن شاء الله.

    هذا ما نجحت فيه بامتيازٍ أختى زينة.
    كل التحية والتقدير.

    ردحذف
    الردود
    1. محمد نبيل

      هي لحظات كأنها تشحن فينا التفاؤل والارادة
      أو هي لحظات نتحايل بها على أنفسنا كي نتناسى ولو للحظة
      مناسبات فيهلا لابد ان يكون للفرح مكان

      أشكرك اخي العزيز

      حذف
  12. مساء الخير غاليتي
    برغم اني قد طلبت منكِ ادراج بعض الاغاني التقليديه في العرس الفلسطيني الا اني ما ان قرأتها حتى بكيت.
    اشكرك زنزون لفكرتك المبتكره وارجو ان تكملي عن حياة المخيم من نواح أخرى .

    ردحذف
    الردود
    1. صديقتي نيسآان

      الأغاني الشعبية ستظل جزء منا يعبر عن ماضينا وذكريات جداتنا في الوطن انا أجالس جدتي وأستمع منها وقد دونت أغنيات شعبية كثيرة منها

      حياة المخيم كرواية لها فصول ممتدة لا تنتهي
      وسيكون لي تجول آخر عبر المخيم وسأعرضه هنا

      محبتي لك نيسان

      حذف
  13. صباح الخير
    جميل ماوصفتيه لنا
    اسأل الله ان يديم الافراح
    ****
    Joody

    ردحذف
    الردود
    1. صباح النور جودي

      أهلا بكِ عزيزتي
      وأدام الله الفرح عليكِ

      حذف
  14. فعلا رغم كل المعاناة لم ينسوا كيف يفرحون.

    استمتعت حقا بين هذه الأجزاء الثلاثة، وبين هذه التقاليد العريقة الجميلة...

    بخصوص "أويهااااااااا " فكنت عندما أسمعها من السوريات في بعض المسلسلات تثير انتباهي...

    تحياتي اختي زينة ولتراثكم الجميل.

    ردحذف
  15. اخي رشيد

    العادات ركيزة أساسية في حياتنا وهي تتحكم في كثير
    من أشكال الحياة لدينا..
    حجم الألم المحيط في كل الأوقات أكبر من الأفراح
    لكن في لحظة الفرح نعطيها حقها

    أويهااا هذه جزء مهم جدا من أفراحنا أحبها ودوما احاول أن أحفظ بعضها
    أشكرك أستاذي

    ردحذف

زودني بثقافتك .. مساحة النقاش بين يديك