السبت، 23 يونيو، 2012

مشاركة رقم 4.../على شرفة الواقع... تختنق الأوهام الجزء الثالث




على شرفة الواقع... تختنق الأوهام
 الجزء الثالث
  قصة قصيرة


فأتى طلبه سريعاً عنيداً مقتضباً يحمل نبرة تهديد وخيانة :
-       طلبي يا أميرتي هو الوصيفة.
"عجباً لأمر العبد حينما يخدمه الدهر ويتحكم في سيده.." هذا ما جال في خاطر الأميرة .
ومن خلفها وقع الكلمات ساوى في حدته وقع سيف حاد على قلب صغير آمن بالحب واتخذ من الصداقة وظيفة .
انتفضت الوصيفة و ارتعشت و تذكرت حديثها بعدم ارتياحها لهذا الشاب البائس .
صاحت الأميرة بقوة ، قوة صوت تتناسب طرديا مع ضعف موقفها :
_ هل جننت ؟؟!!
بهدوء الواثق أجاب السائس :
_ بل أنا أطلب هديتي ، وأنتِ عليكِ الوفاء و إلا سيحدث ما يخشاه قلبك .
جاب الارتباك ملامح وجه الأميرة وفجأة تملكها الخوف :
-       لكن هذا الأمر يخص الوصيفة وحدها وليس من شأني .
السائس بقوة المنتصر :
-       ما بكِ يا أميرتي ؟؟ نحن هنا جميعا تحركونا كما تشاءون  فبإشارة منكِ إما أن تنام الأميرة في مخدعها بجوارك أو تنام في الإسطبل .
كان صوته جهوراً لأول مرة في حضرة القصر ، كأنه ينتشي بتلك اللحظة التي يتحدى فيها من قضى عمره في خدمتهم، لم يكن السائس ينتظر مالاً و لا منصب إنما لحظة تحكم يبث فيها سلطته على أصحاب الأمر، فكان الموقف فرصته وكانت الأميرة تجربته وكانت الوصيفة الضحية وتناسى أنها ممن هم في كفة ميزانه من التهميش والعبودية .
كانت ملامح السائس تحمل تصميماً و وعيداً شديداً وتهديد . فأتت كلمات الأميرة متلعثمة
لا تقوى على منافسة كلمات السائس لا في قوة الوقع ولا ثقة الصوت :
-       ماذا ترين يا وصيفة ؟؟ أنا أميرة ولو علم أحد بسري ستهتز أكناف المملكة وسيهدد ذلك عرشها وسيبث الفتنة بين الشعب !!
لقد سلف للوصيفة أن أفنت حياتها لأجل الأميرة وخدمتها والآن عليها أن تفني كرامتها لأجل المملكة والملك والشعب .
دارت عيني الوصيفة المغرقة بالدهشة والحيرة والصدمة والألم معاً ، دارتا في المكان وتعلقت عينيها بالشرفة الشاهدة على صداقتهما . بصوت مبحوح متقطع و بكلمات متآكلة الحروف أجابت :
-       لكني لم أرتكب أبدا خطيئة.. و كنت في خدمتكِ .. لماذا أدفع أنا ثمن زلتكِ ؟؟
كان الأمر صعباً على الأميرة لكن منصبها يستوجب عليها أن تكون جازمة وإلا هُلكت :
-       لأنني أميرة وأنتِ وصيفة ، لأن أمري يهم شعباً بأكمله وأمرك يهمك وحدك .
كانت الكلمات جارحة للوصيفة قاتلة لكرامتها الآن فقط أدركتْ مَنْ تكون ...!!
وأيقنتْ الفرق بين الصديقة والوصيفة ..
بينما المتاهات ترتسم في قلب وعقل الوصيفة أتى صوت الأميرة حاد رسمي صارم :
-       أيتها ( الوصيفة ) آمرك بأن تذهبي برفقة السائس .
لأول مرة تنعتها باسم مهنتها ، كلمة أشعرتها ببعد المسافات بينهما ، كلمة كانت حروفها حادة قطعت كل أوصال المودة التي كانت تجمعهما منذ لحظات ، وقُتلت تلك الطفلة صداقة التي وُلدت بينهما على شرفة  هدمها الواقع وردم ملامحها...
وفي الركن الآخر كانت ملامح النصر ترتسم على وجه الذئب المنتظر ، فسحب فريسته بيده . والفريسة ترافق الذئب بانكسار و استسلام ، تسير مغمضة العينين حتى لا ترى ملامح الشرفة و لا العربة التي فيهما اجتمعتا ...
في هذه اللحظة تمنت لو كانت مهنتها أعلى و أيقنت حجم حقارة مهنة الوصيفة وأدركت أهمية معنى في الحياة من قبل لم تدركه هو حرية الإرادة ...و أدركت أن الصداقة تُختبر في لحظات الشدائد لا في لحظات الرخاء ..

انتهت
 
زينة زيدان

هناك 30 تعليقًا:

  1. سرد له مغزى.
    لكن ما يبدو أن حب الأنا والانانية تعمي العيون حتى لا تبدو الصداقة أبدا. الأميرة تفكر في نفسها فقط، ولم تفكر في مصير أحد، مهما ما قدمته الوصيفة لها.
    الحلقة المفقودة في القصة هو ما اكتنف شخصية السايس من غموض.
    تحيتي أختي زينة وواصلي.

    ردحذف
    الردود
    1. أخي أبو حسام

      أشكر تواجدك الذي يبهجني دوما
      وأشكر تحليلك لمغزى القصة والعبرة منها
      بالنسبة للسائس هو شخصية لا تفاصيل حولهاإنما التركيز على
      الشخصيتين لأوضح فكرة العبودية ومصادقة من هم اعلى منا شأن وكيف ينعكس ذلك على التصرفات في المواقف الحرجة .. فشخصية السائس أو أي موقف آخر سيزلزل هذه الصداقة .
      أشكر ملاحظتك التي دوما تدفعني نحو الأمام
      تحيتي

      حذف
  2. :( :( :(
    كنت أتمنى ألا تنتهي الوصيفة بيد السائس ..
    لكن هذه هي الحياة ..
    مهما خدعتنا المظاهر ، يأتي يوم و تصدمنا الحقيقة

    كنت هنا

    ردحذف
    الردود
    1. عزيزتي ايمي

      بالفعل هذه هي الحياة
      وهكذا تنتهي الأمور بمن سلم إرادته للبشر
      هم يحددون مصائره


      كل الود عزيزتي

      حذف
  3. غاليتي زينه
    بما ان وقتي مضغوط خلال نهاية الاسبوع فقد أجلت قراءة قصتك حتى اكتملت ...قرات الاجزاء الثلاثه سويه الآن وعلى قدر استمتاعي بالتفاصيل والعبر المكنونه فيهاعلى قدر ألمي لحال الوصيفه .

    *الصداقه طفله تقتلها انانية المصالح والمظاهر .

    لا كرامة لعبد ولا لتابع مهما كان مقرباً لسيده فطالما ارادته الحره ليست بيده فسيبقى عبدا مرغما على التنازل عن كرامته في اي وقت شاء سيده.

    ...ابدعتِ غاليتي في سرد القصه بمقدار ابداعك في الشعر .

    وفي الآخر اعذريني غاليتي لتأخري عليكِ فحالي يشبه حال وصيفتك ووقتي لا املك أمره وخصوصا في هذا الموسم الصيفي المحموم الذي يتكاثر فيه الضيوف و لا تتوقف فيه الواجبات .

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك نيسان
      يشرفني أنك هنا صديقتي
      ويسعدني جدا تواجدك المستمر
      وحقيقة أنت يقرأتِ السطر وما خلفه ممن كلمات
      وأوجزتِ القصة بمعانيها معبرها في تعليقك هنا
      هذا هو حال دنيا نحياها.. وقيسي على الأمر كثير من الأمور
      دوما يبقونا عبيدا وهم سادة
      يملؤنا الذل وتملؤهم السعادة

      و لا اعتذار بيننا عزيزتي
      مهما تأخرتي فمكانك في القلب دوما محفوظ
      تحيتي

      حذف
  4. زينه
    الصداقه شىء رائع لا يعلم قيمتها الا من هو محروم منها ولكن احيانا الصداقه تاتى لمن لا يعرف قيمتها فكما قالت نيسان لا كرامه لتابع مهما كان مقربا لسيده فمهما كانت الصداقه فهو ما زال عبدا
    يالها من قصه راقيه ورائعه احمل بداخلى زينه رساله احترام وتقدير لشخصك ولقلمك فما تكتبى فيه يكن رائعا
    تحياتى واحترامى ابووووووووووووووداود

    ردحذف
    الردود
    1. أخي أبو داود

      أشكر ثقتك واحترامك لما أكتب وأتمنى ان يرتقي دوما لمستوى
      أذواقكم الراقية

      تحيتي لك أخي

      حذف
  5. كنت اتمنى الا توافق الوصيفة وتتعلم كيف تدافع عن حقها فما دامت الاميرة تنازلت عن صداقة كل هذه السنين لمصلحتها فمن حق الوصيفة ان تدافع عن حقها فى الحياة حتى السايس الذى تجرأ وطلب ماليس من حقه مره فسوف يطالب بغيره مرات عديدة مادامت تنازلت مرة فهذه هى الحياة التى نعيشها للاسف

    قصة رائعة غاليتى وكنت اود لو طالت :)

    تحياتى لمداد قلمك
    دمت بخير

    ردحذف
    الردود
    1. أختي وصديقتي ليلى

      مغزى القصة يحمل معني خفي أنتِ توصلتي له وأعلنتيه هنا
      فالرسالة الموجه لكل من هو مسلوب الارادة بشكل عام ألا يضع حريته رهن أحد وأن لا يتنازل عن حقه..

      هذه هي الحياة التي نعيشها للأسف
      أوجزتِ معاني كثيرة

      تجيتي لكِ دوما عزيزتي

      حذف
  6. حينما تكون مصائر الناس بيد البشر و يتحول الانسان الى مجرد عبد لا يستطيع تقرير مصيره يصبح مثل الفريسة التي بلا حول و لا قوة تفعل به الأفاعيل و هو لا يستطيع ان يواجهها , أما الصداقة فهي حالة ظاهرية لم تصل للقلوب ماهو الا نفاق
    رائعة تلك القصة
    تحياتي لكي

    ردحذف
    الردود
    1. أستاذ مصطفى
      أخي العزيز

      الحر لا يملك إرادته أحد .. بل إرادته هو وحده مالكها ومحركها و مطلقها عبر الفضاء.. . والصداقة حينما تبنى على أساس خاطيء فهي غائبة بكل معانيها
      هي بالفعل حالة ظاهريةلم تصل للقلوب
      .... وهكذا تنتهي من حولنا كثير من المواقف

      تحيتي لك أخي العزيز

      حذف
  7. المعانى !! والحقائق !!

    تختلف بداخلنا لكن الحياه دائما تخبرنا ان الواقع ما زال قاسى
    وان فى لحظات الشدة سيختار المعظم ما يفيدهم

    وعلى من توهم تحمل وهمه


    دمت بخير وسلمت يداك زينة

    ردحذف
    الردود
    1. الواقع قاسي جدا
      والمعاني والحقائق رغم وضوحها، لقصور في ارادتنا نجد دوما صعوبة في الاختيار..

      تحيتي لقراءتك العميقة

      كل الود عزيزتي

      حذف
  8. أول مرة اقرأ لك يا زينة قصة .. بجد أسلوبك رائع وسردك جميل .. استمري وعقبال ما اقرأ لك رواية كاملة أو مجموعة قصصية ..

    بالتوفيق ..

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بكِ امتياز
      مسرورة أن أسلوبي أعجبك
      أشكرك عزيزتي وأشكر أمنياتك ودعواتك


      معجبة جدا بسلسلة هؤلاء
      كل الود صديقتي

      حذف
  9. إن تبادل الأدوار يعطينا فرصة لتقدير ميزة النعم التي لدينا فما أجمل الحرية تحياتي الصادقة أسلوب أكثر من رائع في السرد

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك عزيزتي كريمة
      ويسرني جدا عودتك لنا

      تبادل الأدوار يظهر خبايا المواقف
      ويعرض نوايا مختلفة


      كل الود عزيزتي

      حذف
  10. رائعة هى العبرة زينه
    منتظرا للمزيد من قصصك
    تحياتى

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك أخي محمد

      يسعدني تواصلك ومتابعتك لنا

      تحيتي لك

      حذف
  11. استمرار لسرد رائعة
    سلمت اناملك

    تحياتى

    ردحذف
  12. هذا هو غالب الحال بين العبيد وأسيادهم ..
    قصةٌ تعبر عن جزءٍ - مع الأسف - أصيلٍ فى بلادنا .. دخيلٍ فى كثيرٍ من جوانب حياتنا ..
    إنه القهر والاستبداد الذى يمارسه من يمتلك زمام الأمور - ولو للحظات - ليشبع الانسان شهوة الاستعباد دونما أدنى احساسٍ بمعاناة ضحاياه.

    قصةٌ أكثر من رائعة رغم كونها صادمة ..
    تتمتع مؤلفتها برؤيةٍ ثاقبةٍ وحكمةٍ بالغة ..
    ذات أسلوبٍ سلس وسردٍ متناسق.

    أحييك كثيراً أختى زينة على هذه الموهبة ..
    حفظها الله عليك وبارك لك فيها.

    ردحذف
    الردود
    1. اخي محمد

      يروقني أن القصة نالت إعجابك
      و هي فعلا صورة لكثير من مواطن الاستعباد الذي غرس في النفوس فاستهوته واتخذته ايدولوجية لها

      أشكرك أخي

      حذف
  13. مساء العطر زينة زيدان الراقية

    كنت أتابع تلك الأجزاء للقصة التي ظهرت أخيراً

    كاملة وجميلة كانت مفاجئة أنه هنالك قصة لكِ

    وربما هي أول مرة أعلم أنكِ قاصة وكم رحلت بين

    المشاعر والتفاصيل لأجد متعة قهوتي عبر الأسطر

    والحقيقة أن كم المشاعر من قلمكِ يظهر جزء رائع

    وحساس من عمق قلم زينة المبدعة كانت دورس جميلة

    بـ أسلوب جميل في فحوى قصة

    راقت لي كثيراً ولكِ أرق تحية وتقدير سيدتي

    دمتم بكل جمال

    ردحذف
    الردود
    1. أخي ريان

      أشكر حضورك المتميز وأتمنى ان تكون قصتي مفاجأة جميلة وتتساوى مع قدر تميز ذوقك..
      كم يسعدني أن القصة راقت لك

      تحيتي لك أخي

      حذف
  14. موجعه جدا هالقصه و وجعها زاد بسبب واقعيتها

    للاسف في علاقات انسانيه كتيره بحياتنا ما بتبين حقيقتها الّا في المواقف الصعبه ....كتير سمعنا و انصدمنا بمن كنا بنسميهم اصدقاء بمواقف صعبه

    بنتعلم ما نعتمد على حد و كلمتنا هي الوحيده اللي بتحررنا

    ردحذف
    الردود
    1. صديقتي ويسبر

      صدمات حياتية عديدة بسبب الواقع ومادياته

      هي واقعة من زمنا موجودة بطرق مختلفة

      ولكن بشكل واحد

      كل الود عزيزتي
      وأهلا بحضورك المبهج

      حذف
  15. زينة صديقتي و أختي العزيزه

    قرأت الثلاث أجزاء و إستمتعت جداً و كأني أقرأ إحدى قصص ألف ليلة و ليلة..خيالك رائع يا صديقتي, أسلوبك جذاب و مفراداتك راقيه, و الإحساس وصل للقلب :)
    لم تؤلمني القصة كثيراً ذلك لأني كنت مدركة أنه مهما تقاربت المسافات يظل هناك هذا الجدار بين الحاكم و المحكوم, يظل هناك هذا الفاصل و هذه الطبقية, و لكن ما أدهشني هو أنانية الأميره, إنها حتى لم تظهر تعاطف, لم تترك للوصيفة وقت أو فرصة في التفكير, ربما لأنها إستشعرت خطورة موقفها,
    و أتوقع لو للقصة بقية أنها ستتخلى عن فارسها مع ظهور أول عريس مناسب لها في الطبقة و النفوذ, هكذا هي الحياة, طيبون يضحوا من أجل من لا يستحق, و معادن تظهر وقت الشدة.

    جميله القصة و في إنتظار قصص كثييير أخرى
    أنتظر ان أقرأ لكي قصة عصرية بأسلوبك و فكرك الراقي

    تحياتي و كل الود زينه الجميله
    قاصة المستقبل :)

    ردحذف
    الردود
    1. صديقتي شيرين

      " مهما تقاربت المسافات يظل هناك هذا الجدار بين الحاكم والمحكوم.."
      هذا فحوى رسالتي و ملخص العبرة من قصتي ..أصبتِ شيرين في كل حرف عبر تعليقك المتميز..
      والنهاية التي تقترحيها هي بالفعل تكون متناسبة مع أنانية الاميرة...
      أشكر حسك القصصي
      قصة عصرية :) ...!!

      سعيدة بمرورك عبر السطر وعبر الكلمة
      ويزيدني سرورا أن قصتي التقت بإعجابك ونالته

      حذف

زودني بثقافتك .. مساحة النقاش بين يديك