الأحد، 13 نوفمبر 2011

فــي مديــنتي

في مدينتي


في مدينتي
كل شيء يسير على ما يرام ،
 نتنفس
وفينا قلب ينبض وباسمها يهمس ،
تظللنا سماء
ليلها بنور الأنجم والقمر مضاء
وفي الصبح شروق شمس وبهاء.

في مدينتي
 تدبُ الحياة في كل الأشياء . الحجرُ يتنفس و للقتال هو دوما متأهب ومتحمس ،
والشجرُ يعتزُ بغارسه ويحفظ اسمه .

في مدينتي
 يزأرُ الحقُ فيجثو الباطلُ مرتعشاً  يستند على جدران الجُبْنِ المهتزة .
الباطل فيها دوما متوارياً مرتعباً يخشى  الشجاعة التي تقطن أكناف
المدينة وتحرسها وتحميها .

على شرفة مدينتي
 يطلُ بحرٌ طالما بعينيها تتأمله وتستجدي منه نجدة ، فما حمل لها
يوما غير عنف الموج ونظرات التجبر.
أسوار مدينتي يحيط بها من كل جانب ظلم وكفر وأشرار، وبقيت لنا عبر آخر سور
ثغرة لو انفرجت مرة لأصبحت أرضي حرة ، لكن حارس هذه الثغرة يحرس بوابة
موصودة ومفتاح الأوصاد معلق في "كامب ديفيد " و " اوسلو"   ولا يقوى الحارس
على المطالبة بالمفتاح و إغضاب أصحاب القرار.

في مدينتي
السكان ليسوا ذكور ولا إناث بل في تصنيفهم كلهم ثوار. ليس هناك أسماء بل مواليدها
يطلق عليهم جميعا اسم واحد ... "أحرار" .

 زوجتك أرملة بعد عام ، والأم يومها مقسم إلى يومين في الصبح تمرُ بحانوتي المقبرة
لتتلو على الأرواح الحية سورة ميسرة ... وفي المساء في حضرة السجان.
وحين ينعم عليها الزمن بابنٍ فهو فداءٌ للأوطان .. هو شبحٌ ..هو رعبٌ يهددُ أمن الظُّلام،
يستن عزيمته ليقتل الهم الجاثم فوق صدره وما يُسمى للصهيونية كيان .

في مدينتي
صوت أذان وخمس صلوات فرض في بيوت الله يبتهلها الأنام . ومن بعد الخمسة يكملون خمسين صلاة أو يزيدون وكأن محمداً ـ عليه السلام ـ في رحلة المعراج لم يرجع ليخفف الفروض عن عباد الرحمن...
خمسون صلاة بلا ركوع ولا سجود بل تكبيرات إحرام  يتخذُ الإمام قبلة تحتلها جثتاً تُلَفُ بالأعلام ومن خلفه المصلون عبادا أخيار...
والمصلى عليهم دون أن تمسهم الماء هم أطهار،
لا نسميهم جثث بل شهداء أبرار .

في مدينتي
يصول الموت ويجول ينتقي فريسته بإتقان ، ففي مدينتي للخلقِِ خياران إما أن
تكون حياً أو تكون إنسان ..!!
الموت ليس كما الموت  بل له أحاديث وأشعار ، تُزفُ أنباءه ليل نهار ، رائحته لا تفارق
الأنوف وفي العام الواحد يصادق من الأرواح ألوف يتخذها رهانا للحرية  وتمضى الألوف ولم تزل معقدة القضية...!!
ورغم كثرة الموت الشغوف لم تنحنِ العزائم الأبية .
في مدينتي 
لا تنتظم الألوان وتختزل الطبيعة ألوانها في أربعة ..خضار الشجر وسواد الليل وبياض الأكفان وأحمر الدم يحتل كل بيت وكل مكان...!!
 تمتزجُ أربعتها في مجدٍ يرفرفُ بفخرٍ فوق سارية تعتلي البيوت
والمعاقل والأحلام . 
في مدينتي
للهو موقع وديار ولهو ساكنيها وشغفهم نشرة أخبار فيها القتل طليق منفلت ،
والتنكيل به معترف ، والدفاع عن النفس إرهاب و ذنب مقترف..!!

في مدينتي
 جدران بيوتها شريط أخبار فنعي الشهداء والدعاء للسجناء وهزائم الأعداء
مدونة تزين الأسوار..

في مدينتي

أوسمة تتوشحها المدينة بعزة . أصحاب الأوسمة فوق الأرض يحيون وتحت التراب عضو منهم في كفن ...
 يصنع العضو المكفن  للروح و لباقي الجسد شرف ولا يختلف على شرفه اثنان .
أوسمة لا يمحوها الدهر ولا تختزل ولا تُقْلَع مع زيٍّ عسكري مبتذل ، بل راسخة ثابتة كثبات لابسيها فأنت لا تستطيع أن تحدد
هل هي تلبسهم أم  هم لابسيها ؟؟!!
هم صنعوا مجدا في زمنٍ تُصنعُ النياشين برشوةٍ أو صفقةٍ أو نفاق سلطان..
لكن نياشين مدينتي بالحقِ صنعت و شرف النفس و الإنسان..!!



رغم كل هذا
 لم تزل مدينتي تزرع في نفوس العالم اعتزازا ..
 رغم كل هذا
 لم تزل مدينتي تتخذ  من المقاومة خياراً ومنهاجا ...
لم تزل
تغرس الأمل
وتقدس العمل
وهي للأحمال الثقيلة أصبر من  جمل...!!


في مدينتي

كل شيء يسير على ما يرام
نتنفس
وفينا قلب ينبض وباسمها يهمس
..........
تظللنا سماء
ليلها بنور الأنجم والقمر مضاء
وفي الصبح شروق شمس وبهاء....!!

إلى مــدينتي... غــزة

أهدى حبا ومودة...


زينة زيدان






الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

بعد عام من التدوين ... ذابت الكلمات على شفاه القلم ..


بعد عام من التدوين ...
        ذابت الكلمات على شفاه القلم ..

في مسرحية الحياة كاتبها ذابتْ كلماته على شفاه القلم.. أشخاصها  الزمن شيخ كبير يمنحنا حكم . والأمل شاب فتيٌّ يتوارى خلف الستائر. والعدل سيفٌ ملقى بإهمالٍ ، والظلم من فوقه مهيمن جائر . والحريةُ مكبلةُ الأوصالِ موصدة الفاه.
والحرُ يعاركُ من أجل الوصول إلى السيف و إشهاره في وجه الظلم أو علَّه يستطيع إخراج الأمل إلى النور من خلف الستائر.....




في مسرحية الحياة تجدُ الزمنَ ساعة متجبر وساعة متكبر وساعة معلم وساعة حائر. والعدل أمسى جثة قتلها الظلم المتكاثر . والحرية مقيدة تتطلع إلى الأمل الضعيف المتواري خلف الستائر بعينٍ وبالأخرى تنظر إلى بطلها الحر الثائر.
والمخرجُ ينظرُ إليهم جميعا والألم في قلبه جرح غائر ، يبحث بين ثنايا النص عن أسطورة تهزم الظلم وتنصر العدل المقتول عبر الفصول والمراحل . على هامش النص يجد ملحوظةً رغم صغرها بها من جديد فتحت ستائر المسرح التي انطوت على مشهد غير متكامل .الملحوظة كانت حروف مبعثرة حين تجميعها 
تمنحنا كلمة تفاؤل.





اتخذ المخرج من التفاؤل شخصيةً خلقتْ للنصِ من العزمِ قوافل . واستمدت منها الحرية قوةً فبالرغم من قيودها صارت بعينيها تقاتل، فأدرك الجمهور أنه لا يأس مع الحياةِ بل الحياة مع التفاؤل . به العدل اعتلى كل المقامات والمنازل، والظلم بجبروته وتعنته غدا أمر زائل .
أُغلقَ الكتاب في مسرح الحياة وذابت الكلمات على شفاه القلم .  وعَلَتْ الأصوات والتصفيق بعدما أسدلت الستائر.....


بعد عام من التدوين أتمنى أن تكونوا قد وجدتم على هامش نص مسرحي 
حروف تجمع في كنهها كلمة أمل وتفاؤل . لأسطر في عامي الجديد للإنسانية وللحرية رسائل .

زينة زيدان


الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

في يوم الانتصار

في يوم الانتصار

ماتَ الألم ولى واندفن

احتشدَ الفرح وفرَّ الحزن

فرجٌ عظيمٌ لا مكان للفتن

انهزمَ الانكسارُ وفازَ الوطن

عيونُ الثكالى من بين الدموعِ تبتسم

قلوبُ اليتامى من بعد الحرمانِ تبتسم

صدورُ الأسارى بيننا بالحريةِ تحتدم

وجوهُ الشهداء

تطوف بيننا

تهدينا حياة

وتبتسم

هذا وطني اليوم

 بعد الصبرِ والأحزانِ

يبتسم

هذا شعبي اليوم لا ينقسم


صفٌ واحد لا للفتن

صوت جليُّ ينادي في الجموع

بزهوٍ وصوتٍ مسموع

لا يعرف نبرة الخنوع

يخبرنا

بأن المقاومةَ أم للوطنٌ

غزة سيدة الزمن

كعبةُ الجهادِ والحقِ والحزم

يا أيها المقاوم العنيد

أنت الذي منحتنا النصرَ الأكيد

فجرٌ وعيد

مجدٌ تليد

زلزالُ زغاريد

ما ضاعت أروحنا سدى

لكن فخراً لأرضنا اهتدى

خزيٌ وعارٌ للعدى

عرسٌ لنا على طول المدى

......

رغم الفرحة والجموع

لا أعلم في أعيني لِمَ تجتمع هذه الدموع ؟؟!!

هل لترثي قلباً موجوع ؟

أعاتبها

في يوم يشبه في فرحته

يوم الرجوع

لِمَ هذه الدموع ؟؟!!

كأن الحزن شجرة في صدري لها فروع!!

لِمَ هذه الدموع؟؟!

أليس اليوم صوت لنا مسموع؟؟

أليس اليوم أمل و إضاءة شموع؟؟!

لِمَ هذه الدموع؟؟

يا أعيني

كفي عن الأحزان

غداً سترجع الأوطان

كما اليوم قُيد السجان

غداً سينهزم الطغيان ......ٍ


زينة زيدان

شوارع غزة  قبل الاحتفال بخمس ساعات...حشودات عظيمة للشباب والشابات والأطفال والشيوخ والنساء...كل شعبي كان هناك.. زحف بشري وتجمع كبير في ساحة الكتيبة..
 





رجال المقاومة حتى في يوم النصر لا يرتاحون... هم لحمايتنا متأهبون... 





أجزاء من الاحتفال...هذه هي الصور التي  طالتها كاميرتي لشدة ازدحام الحشود
 كانت هذه صور من جزء من القسم الخاص بالنساء






وددت أن تكونوا معي... بين هذه الجموع كنت أقف  وأهتف وأغني وأزغدر..


زينة زيدان

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

من أكتوبر 1973... إلى أكتوبر 2011... نصر جديد

من أكتوبر 1973...
إلى أكتوبر  2011... نصر جديد


لقد أهدانا الله في أكتوبر 1973م نصر مجيد على أعداء الله وها هو اليوم يتكرر نصر أكتوبر بشكل جديد وبطعم للحرية لذيذ.
في الغد 18 أكتوبر 2011 الموافق الثلاثاء سيعانق تراب الوطن أقداماً طالما اشتاقها و اشتاقته غدا سيكون لنا لقاء مع الفرحة والحرية ، حرية أبطال بلادي الذين أهدوا الوطن أعمارهم وشبابهم وأرواحهم ولم يتخلى عنهم الوطن وجنده.

صفقة الأسرى في نقاط :

 ثمن النصر :
لم نصل لهذه المرحلة من النصر والتحقيق بلا ثمن بل قدمنا أكثر من ألف وأربعمائة شهيد خلال حرب غزة 2008 التي شنها الكيان الصهيوني وكان أحد أهدافها استعادة الجندي الأسير لدى حماس " جلعاد شاليط " ولم نحقق هذا الانجاز باستبدال حرية الجندي بأكثر من ألف أسير وأسيرة فلسطينية إلا بعزائم قوية وطول نفس تحلى بها المفاوض الفلسطيني المقاوم خلال خمس سنوات ونصف .
لقد وصل التعنت الصهيوني  إلى ذروته واستهان بقوة مقاومتنا وجاء التصريح في أول أيام أسر الجندي على لسان "أولمرت" _ رئيس الوزراء الصهيوني _ وجهاز مخابراته بأنه سيقوم باستعادة الجندي خلال ساعات ولكن الله أذلهم أكثر من خمس سنوات ولم يتم تحرير الجندي إلا بإرادة وشروط المقاومة وبثمن نحن فرضناه وهو أكثر من ألف أسير وأسيرة فلسطينية  .

الأسرى المحررين على يد المقاومة VS   الأسرى المحررين من قبل اتفاقية أوسلو:

لقد حققت المقاومة وبشكل علني وواضح للعالم أجمع ما عجزت عنه اتفاقية أوسلو وجميع مفاوضات السلام من أجل  تحرير الأسرى الذي تمكنوا من قتل صهاينة .ففي الوقت الذي عجزت عنه اتفاقية أوسلو عن تحرير أي أسير تمكن من قتل صهاينة فإن المقاومة استطاعت تحرير عدد كبير من الأسرى الذين قتلوا أعداد كبيرة من صهاينة  وهذا ما يثير الشارع والرأي العام في دولة الاحتلال وما يفسد فرحة استرداد ابنهم الأسير وما يُظهر عجزهم وضعفهم .

جهاز الاستخبارات الصهيونية والشَبَاك ومحاولاتها الغير المنتهية حتى اللحظة :

حتى هذه اللحظة لم تيأس المخابرات الصهيونية في إفشال العملية وتحقيق نصر لها في الوقت بدل الضائع ففي هذه الأثناء وأنا أحدثكم تحلق الطائرات الصهيونية فوقنا باستماتة علها تستطيع استرداد الجندي الأسير.
 
وفي الوقت الذي أثبت جهاز الاستخبارات الصهيوني نجاحه في كثير من الدولة العربية وكذلك الأوروبية وتمكن من تحقيق اغتيالات مثل عماد مغنية في سوريا والمبحوح في الإمارات وكذلك فتحي الشقاقي في مالطا فإنه فشل على أيدي المقاومة التي تمثلت في حماس وفي مكان محدود لا تتعدى مساحته 365 كم مربع ، وفي الوقت الذي تُعد فيه الاستخبارات الصهيونية من أقوى  الأجهزة الاستخبارية العالمية فهي اليوم تعلن فشلها في تحرير الجندي الأسير وهذا نصر كبير للمقاومة ودليل على استحالة اختراق خطوطها و بذلت الاستخبارات الصهيونية جهد خرافي واستخدمت كل وسائلها حتى وصل بهم الأمر إلى توظيف عيون لهم لمراقبة مجمعات القمامة لإيجاد أي دليل يقودهم لمكان الجندي .
ومنذ أول أيام أسر الجندي حتى اللحظة مازالت الاستخبارات الصهيونية ترسل رسائل نصية لجميع الهواتف النقالة في غزة مفادها بأنه " سيتم صرف جائزة قدرها عشرة ملايين دولار مقابل أي معلومة عن الجندي الأسير و توفير وسيلة تواصل مباشر معهم" وما زالت هذه الحملة الالكترونية مستمرة حتى بعد توقيع الموافقة على الصفقة . ورغم شدة حرصهم إلا أن الفشل كان حليفهم والنصر كان حليفنا حيث أعلن جهاز المخابرات الصهيوني اليوم " أن الصفقة كانت أفضل حل مطروح لديهم "



  
هذا نص الرسالة الالكترونية التي وصلت لجميع أجهزة الهواتف المحمولة لدى
أهل غزة عدة مرات ولم تتوقف حتى بعد اعلان قبول الصفقة.



من ناحية اعجازية :

من منظوري الخاص أرى أن هذه الصفقة معجزة إلهية حيث يتم الإفراج عن أكثر من ألف مقابل واحد ....!!

لقد كانت هذه رؤيتي
وأنا اليوم أشاهد مدينتي تخلع عن نفسها لبس الحداد وتتزين بالأعلام
وترتدي لأول مرة طرحة
وترتسم بين مقلتيها ملامح النصر وفرحة

سأوافيكم في الغد بتفاصيل الفرحة
فأنا ذاهبة إلى عرس  استقبال الأبطال
العرس الفلسطيني .....



زينة زيدان






                                                                     

الأربعاء، 5 أكتوبر 2011

التعليم في فلسطين... بين مطرقة الاحتلال وسندان الدعم الأجنبي


التعليم في فلسطين...

بين مطرقة الاحتلال وسندان الدعم الأجنبي


إن التعليم هو المرآة التي تعكس تقدم الشعوب و رقيها وبه يتحقق الوعي في كافة المجالات. ويعد الشعب الفلسطيني من أكثر الشعوب إقبالا على التعلم حيث أن نسبة الأمية بين أفراده أقل بكثير من الشعوب العربية الأخرى (تعتبر النسبة الوطنية الفلسطينية للتعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة عالية بالمقاييس العالمية والإقليمية، وتعتبر من أعلى النسب في العالم العربي (المرتبة الثانية حسب التصنيف العالمي)، حيث بلغت هذه النسبة في السنوات الأخيرة 91,2%، في حين أن نسبة التعليم بين كلا الجنسين ما بين عمري (15-24) قد بلغت 98,2%.......منقول ). ويقيناً من الاحتلال الإسرائيلي بمدى الأثر الايجابي  للتعليم في حياة الشعوب وفهمها لحقوقها فإن الاحتلال يكرس هجمات كبيرة لهدم التعليم تتمثل في هجمات مباشرة وهجمات غير مباشرة.

الحرب المباشرة التي يشنها الاحتلال ضد التعليم تتمثل في قصف المدارس بشكل متعمد وكذلك حجز الكتب المدرسية في بداية كل عام دراسي على المعابر لتصلنا متأخرة عدة أشهر ، وأضف إلى ذلك ما قام به الاحتلال الإسرائيلي مؤخرا بإصدار قرار يقضي بحرمان الأسير الفلسطيني من حقه في التعليم داخل السجن؛حيث كان يحق للأسرى في السجون الإسرائيلية التعلم عن بُعد بالتنسيق بين إدارة السجون ووزارة التربية والتعليم الفلسطيني.

لكن هذه الحرب المباشرة لا تُعد شيئاً إلى جانب الحرب الغير مباشرة التي تهدم التعليم دون يقظة و وعي منا . تتلخص الحروب الغير مباشرة في عدة نقاط أضعها بين أيديكم وأتحدثُ بعين المطلِّع والعامل في سلك التعليم الفلسطيني.

النقطة الأولى:
عند وضع المنهاج الفلسطيني عام 1998م _ والذي أُقر للتدريس في المدارس الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي عام 2000-2001م _كان لا بُد من المرور عبر لجنة إقرار المناهج في بريطانيا . وكما المعهود في بريطانيا تحقيق مصلحة إسرائيل هو هدفهم السامي.فكل درس أو قصيدة أو صورة في المنهاج تدعو للمقاومة أو حق العودة أو اعتبار القدس عاصمة هي مرفوضة بداعي عدم غرس الإرهاب في نفوس الطلاب.
حدثنا_" د . نظمي المصري" العضو المشارك في وضع المنهاج الفلسطيني و الأستاذ المحاضر في الجامعة الإسلامية بغزة_ بأن هناك لجنة مراقبة شديدة مرَّ عبرها المنهاج الفلسطيني قبل إقراره كمنهاج دراسي في المدارس الفلسطينية وان هناك دروس حُذفت من قبل اللجنة وأفاد " د. المصري" أن القصة المقررة في مادة اللغة الانجليزية في منهاج الثانوية العامة  قد لاقت رفض شديد من قِبل اللجنة . _وهي قصة " الرهان"  The Bet"  للكاتب الروسي Anton Chekho"" والتي تروى أحداثها قصة شاب سُجن بإرادته من اجل رهان يقضي بحصوله على مليون روبية مقابل أن يقضي خمسة عشر عام في سجن انفرادي لكن السجين الشاب يستغل فترة سجنه في التعلم وقراءة الكتب مما مكنه من إتقان ست لغات وأوصله ذلك لدرجة عالية جدا من الحكمة والعلم  ، فرأى المال لا قيمة له مقارنة بما وصل إليه من العلم والمعرفة لذلك رفض المليون روبية وأخلّ بشرط الرهان و غادر زنزانته قبل انقضاء المدة بعدة ساعات _ هذا مجمل وموجز أحداث القصة التي رفضت بحجة أنها تمجد السجناء في نظر الطلاب وهذا طبعا ما يريد الاحتلال إعدامه وكذلك لأن فيها الهام للأسرى باستغلال فترة سجنهم في التعلم وكسب المعرفة.
وبعد محاولات وتدخلات كبيرة أقروا القصة في المنهاج واتخذ فريق وضع المناهج الفلسطيني ذريعة أن أحداث القصة تختلف عن الواقع الفلسطيني.

النقطة الثانية :
المؤسسات القائمة على التعليم في فلسطين تتخذ ثلاث اتجاهات :
أولا مؤسسات حكومية تابعة لوزارة التربية والتعليم الفلسطيني توفر التعليم برسوم رمزية لجميع المراحل من الابتدائية حتى الجامعية ويمثل عدد المنتسبين إليها نسبة73% .
 ثانياً مؤسسات خاصة تقدم التعليم برسوم باهظة وتتبع في مناهجها وقراراتها المؤسسات الحكومية وتشرف عليها وزارة التربية والتعليم الفلسطيني ويمثل عدد المنتسبين لها نسبة 6%.
ثالثاً والتي أود الإطالة في الحديث عنها_ المؤسسات التعليمية التابعة لوكالة الغوث الدولية لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين UNRWA توفر هذه المؤسسات التعليم المجاني للأطفال الفلسطينيين اللاجئين للمرحلتين الابتدائية والإعدادية وكذلك توفر دراسات معاهد في بعض المجالات المهنية ويمثل عدد الطلاب المنتسبين للمدارس التابعة للأنروا 24%. ولأن المرحلتان الإعدادية والابتدائية تعتبران من أهم المراحل في تكوين القاعدة الثقافية والعلمية لدى الطلاب فإن وكالة الغوث تقوم باستغلالها على أتم وجه وحجتهم التي تقنعهم وحدهم وتبرر أفعالهم دائما هي ( استئصال العنف والإرهاب من نفوس الأطفال الفلسطينيين ) .

النقطة الثالثة:
البرامج المضافة حديثاً من قِبل وكالة الغوث هي برامج ألعاب الصيف "Summer Games" وهي برامج ترفيهية تُطبق أثناء فترة إجازة الصيف ، وما يدعونا للتساؤل في شأن برامج ألعاب الصيف أمران الأول توقيت هذه البرامج والثاني محتوى هذه البرامج.

التوقيت:
جاءت برامج ألعاب الصيف فقط بعد زيادة نشاطات مخيمات حفظ القرآن الكريم والتي وجدت لدى الأطفال وأولياء الأمور قبول و إقبال شديدين حيث  تم تخريج _خلال إجازة الصيف_ أكثر من ألف حافظ لكتاب الله _عز وجل _ وأُطلقت حملات لتحفيظ القرآن تحت اسم برامج " تاج الوقار " وإيماناً  من الاحتلال ووكالة الغوث بان الصلاح يأتي بحفظ كتاب الله كان لا بُد لها من إجراء يحد من برامج "تاج الوقار" ويقلل الإقبال عليها . فأتت برامج ألعاب الصيف الترفيهية المجانية التي توفر للأطفال شتى وسائل اللعب والمرح . وكرست وكالة الغوث لهذه البرامج ميزانيات ضخمة حيث إن ميزانيتها لهذا الصيف خمسة عشر مليون دولار أمريكي صُرفت فقط في غزة في خمسة وأربعين يوما.

محتوى برامج ألعاب الصيف :
تُوفر برامج ألعاب الصيف زوايا عديدة من رياضة ولعب ولهو وفلكلور ومسرح وعروض مما يحقق للأطفال متعة كبيرة لكنه اللعب من اجل اللعب وليس اللعب الهادف الذي يغرس القيم التربوية والاجتماعية والدينية في نفوس الأطفال . فهم يرون أن للطفل الحق في أن يلعب ويرسم ويرقص ويدبك ووووو.. ، لكن ليس له الحق بأن يذم الاحتلال أو يناقش قضية تخص أمور الوطن أو حقه في أن تكون له أرض وكيان فهذا في نظرهم هو الإرهاب الذي كُرست برامجهم لمحوه من عقول أطفالنا.
وقد عَملتُ شخصياُ في برامج ألعاب الصيف وشاهدتُ هذين الموقفين اللذين أود طرحهما كشاهد ودليل في هذا المقال وعلى مدى سلبية الدعم الأجنبي لركائز مجتمعنا.
الموقف الأول:
قمتُ بتجهيز الطالبات لعرض على أغنية " لأكتب اسمك يا بلادي..." رُفض العرض لأن الطالبات ارتدين أزياء عسكرية وهذا بالنسبة للقائمين على المخيم يعتبر دعم للإرهاب.......ّ!!

الموقف الثاني :
وهو الأشد ضراوة وأشد هجوما على التعليم لدينا وعلى تاريخنا الإسلامي والعربي الفلسطيني وعلى حقنا في فلسطين .
الموقف كالتالي  في زاوية تعليم اللغة الانجليزية في المخيم تجلب لنا وكالة الغوث بطاقات لتعليم كلمات باللغة الانجليزية وتكون هذه البطاقات مرفقة بالصور المعبرة عن محتوى الكلمة وبينما أنا أقلب في البطاقات استوقفتني كلمة   Historyأي " تاريخ " حيث رُسم على البطاقة صورة تحمل علم الاحتلال الصهيوني و(موشي ديان) وزير الحرب في حكومة( قولدمائير) الذي أذاق العرب ويلات نكسة 1967م وإلى جانبه حائط المبكى .. هم يريدون اختصار تاريخنا في تلك الصورة التي يودون أن يغرسوها في أدمغة أطفالنا... هذا ما يريد الاحتلال غرسه في نفوس أطفالنا أن لا وجود لفلسطين في التاريخ ولا وجود للأقصى بل فقط الوجود لليهود ولحائط المبكى .  قام القائمون على الإشراف على زاوية اللغة الانجليزية بالتستر على الأمر وسحبت البطاقة من جميع مدارس قطاع غزة خلال ساعات قليلة بعد فضح أمرهم واتصلتُ في عدة زميلات لي في عدة مدارس لكن لا وجود للبطاقة ولا دليل لدينا إلا هذا الفيديو الذي ألهمني القدر أن أسجله عبر كاميرا هاتفي المحمول الشخصي ...
وعندما تساءلنا  عن وجود مثل تلك الصورة في مدارسنا وعن دور وزارة التعليم الفلسطيني في مثل تلك المواقف كان رد  أحد الموجهين التربويين العاملين في برنامج ألعاب الصيف "أن هذه البطاقات والمواد التعليمية والترفيهية أحضرتها وكالة الغوث عن طريق دولة الاحتلال ..."
_ وهنا لا بد أن نتوقف طويلاً _ الاحتلال الذي يمنع دخول الأدوية ودخول الطعام وضروريات الحياة الأساسية لماذا يساهم بشغف لإدخال هذه المواد الترفيهية لأطفال فلسطين ؟؟!!!! إن الاحتلال الصهيوني لا يقوم بتقديم شيء إلا إذا كان يحقق له مصالح جمة والتفسير الوحيد أن هذه المخيمات الصيفية  "ألعاب الصيف " تخدم مصلحة الاحتلال بالدرجة الأولى.


شاهد هذا  الفيديو وانظر ماذا يريدون من أطفالنا أن يستذكروا عندما تُذكر كلمة "تاريخ "أمامهم.....



الفيديو يوضح صورة بطاقة تستخدم لتوضيح كلمة "history أي تاريخ" ..الصورةتُظهر صورة موشي ديان وعلم دولة الاحتلال الصهيوني وحائط المبكى .. هذه البطاقة ضمن المنهاج الفلسطيني (مادة اللغة الانجليزية) الذي يُدرس في المدارس الفلسطينية..!!!!!

بقلم / زينة زيدان الحواجري

أخيراً:
لقد شاركت في بعض الواجبات التدوينية فيما سبق والتي أطلقها أصدقاؤنا الأعزاء كدعوة للكتابة والتفريغ. لذلك شعوراً مني بمدي أهمية التعليم ومدى سبل العراك والمعارك التي تُشن عليه هنا وفي جميع دول الوطن العربي الحبيب أود إشراك الأصدقاء والصديقات في الحديث عنه كواجب تدويني أطلقه من هنا للكتابة في الأمور التربوية والتعليمية ...
الواجب ألخصه في نقاط للتسهيل كالتالي:
1_ نسبة الإقبال على التعليم .
2 _ المؤسسات المشرفة على العملية التعليمية التربوية في الدولة.
3- المحتوى التعليمي ومدى مجاراته للتطورات العلمية وترابطه مع واقع المجتمع
4_التحديات الخارجية والداخلية التي تواجه التعليم.
5_ كشعور منا بالمسئولية اتجاه الموضوع..يكلف المدون ثلاث  مدونات أخرى للكتابة في هذا الشأن..

وقد حاولت اختيار الأصدقاء والصديقات من دول عربية مختلفة لأخذ فكرة توضيحية عن النظام التعليمي في دول  الوطن العربي المختلفة...
المدونات المكلفة :
2- الصديقة نيسان مدونة نيسان من الأردن....http://nissan2009.blogspot.com/
5- الصديقة فرح مدونة بوليت من السعودية....http://resistant-bullet.blogspot.com/

زينة زيدان الحواجري


الاثنين، 26 سبتمبر 2011

حَدَثَ في مثل هذا اليوم 26 أيلول 1996م


بئر ذكريات... جزء3


حَدَثَ في مثل هذا اليوم 26أيلول 1996م



استشهد في هذا اليوم حوالي خمس وستون شهيد في الضفة الغربية وقطاع غزة على
أثر فتح نفق تحت المسجد الأقصى وعُرف هذا اليوم بانتفاضة النفق..
لمزيد من المعلومات عن انتفاضة النفق اتبع الرابط التالي  http://fm.shab.ps/showthread.php?t=3986
هنا

في ذكرى رحيل الشمس..



أخي الشهيد / رزق زيدان الحواجري

في مثل هذا اليوم خرج من بيته في الصباح الباكر قبلَّ أبناءه وذهب إلى عمله..
منذ الصباح شعر باختلاف هذا اليوم عن باقي الأيام . فجأة احتلت صورة أمه كل الأشياء من حوله ، شعر بشوقٍ شديد ، أحس بعيون أخوته الصغار ينادونه ، غير وجهته واتجه  لمنزل والده. دخل البيت شعر بأن كل شيء مختلف باب البيت والغرف والستائر، أخوته الصغار يجهزون أنفسهم للمدرسة وأمه تعدُ طعام الفطور ، أبيه كعادته يستمع لقرآن الفجر ويتبعه بنشرة أخبار...دخل على أمهِ مباشرة ، قبلَّ يدها ، عانقها :

-         أمي إني أشتاقك...

كنتُ صغيرة وقتها أتيت إليه ركضاً عانقته .. وضعت يدي في جيبه وانتشلت منها قطعة نقود ، جذبها مني بقوة وأخبرني بأنه سيشترى لي بها لعبة .. عقلي الصغير لا يدرك إلا ما أمامه :

-         أريد قطعة النقود الآن وفيما بعد تشتري لي لعبة.

بشغف طفولي استمتُ في فتح يده وأخذ النقود لكني لم أستطع ، حملني ووضعني على كتفه وأخذ يرفعني للأعلى ويحضني بحنان ثم همس بأذني أن أختار لعبة وهو سيأتي بها آخر النهار. ثم دفعني لغرفتي لأستكمل ارتداء زي المدرسة .
طلب من أمي كوب شاي وجلس مع أبي ..
رغم صغري طالعتُ شوقاً عميقاً في عينيه ...
أخذتني أختي  التي تكبرني من يدي وخرجنا للمدرسة ، وقبل مغادرة المنزل ناديتهُ باسمه:

-         " رزق " أن لم تأتني بلعبة لن أكلمك بعد اليوم.

خرجتُ من البيت..
دخلنا المدرسة..
دخلنا الفصل..
بدأنا الدرس الأول..
ثم الدرس الثاني..
ثم الثالث..قاطعه  بوق إسعافات.. وهتافات .. انتفضتْ الشوارع.. وانتقل الخوف إلى قلوب زميلاتي، أخذنا بالصراخ ومعلمتنا تطمئنا بأن كل شيء على ما يرام .. أصوات رصاصات .. وطائرات ..اقتربت الهتافات ...
أتى أمر بإخلاء المدارس ، شعرت بخوف ، رأيتُ صديقاتي يبكين لكني رغم خوفي اتخذت قرار بألا أبكي ؛ فقد تعلمتُ من أبي أن الإنسان يجب أن يكون سيد الموقف ورغم الذعر المحيط كنتُ سيدة موقفي فهزمتُ الخوف في نفسي وأخذت أطمئن صديقاتي.. خرجنا من المدرسة بحثت بين الوجوه المذعورة عن أختي .. لم أجدها .. وجدتُ ابنة جيراننا .. رافقتني للبيت
دخلت بيتنا كل شيء صامت ..
لم يعد أحد من أخوتي بعد..
طالعت حناناً وأماناً في عيني أمي ، ركضتُ باتجاهها .. ألقيتُ بنفسي في حضنها وانفلت مني الخوف والفزع كأنه احتبس هناك لأفرغه في حضنها. احتضنتها وأفرغت كل خوفي على صدرها ..واحتضنتني هي بقوة ، التصقتً بها حتى سمعتُ نبضاتها .. رغم هدوء ملامحها  شعرت باضطراب نبضها . وصلت أختي ثم أحد أخوتي كان الفزع و التلعثم  يغطي وجوه الجميع وأخذ هو يسأل عن أبي ، جزعت أمي ، هرعت إليه تسأله عن باقي أخوتي .. كانوا سبعة، احدهم في السجن وستة خارج السجن لكن الموت يحاصرهم في كل لحظة . سألتْهُ  عنهم جميعاً كلٌ باسمه أجابها أنهم كلهم بخير ..أتى أخي الأكبر سناً:

-         أمي ..أين أبي ؟

كانت ملامحه أكثر فزعاً  ..سألتْهُ أمي :

-         ماذا هناك؟ ماذا حدث ؟؟

أجاب أخي :

-         لاشيء ، فقط أريد أبي ؟

أمي :

-         ابحث عن أخوتك .. اليوم هناك مسيرات كثيرة و إطلاق نار كثيف
أحضر أخوتك..

كانت تأمرهُ وهي تدرك انه لن يحضر أخوتي بل سيلحق بهم ليشارك في المعركة...كانت أمي على يقين أنهم جميعا سينزلون الشارع لأنها هي مَنْ ربتهم على أن حب الوطن والموت لأجله شرف .. فبرغم عشقها لأبنائها كان عشق فلسطين أكبر وأعظم..
أجاب أخي :

-         أمي اعذريني إنه نداء الوطن .. اليوم تم فتح نفق تحت المسجد الأقصى ولن نصمت هذه المرة ،أمي أرجوكِ إنه الأقصى.

رغم طعم المُر ومذاقه الصعب ، رغم عنف المشاعر ، رغم زلزال
الخوف الذي اجتاحها .. صمتتْ..
خرج أخي بسرعة ، لحقت به أمي لدى الباب .. لدى الباب كان أحد أقربائنا أخبرنا بهلع أن هناك عدد كبير من الشهداء في غزة والضفة الغربية وأن المسيرات اتجهت من قلب مدينتها نحو " مستوطنة كفار داروم" المجاورة للمدينة.

عادت أمي إلى داخل البيت وكانت شفتيها لا تتوقف عن الدعاء.
هي ونحن الصغار فقط داخل البيت ..
أتى ابن عمي من المخيم المجاور سأل عن أخوتي وكان الفزع محتل لكل الوجوه  ومتعمق في الملامح. في هذا الوقت دخل أبي البيت ، أخذ أمي إلى غرفتهما من بعيد لمحته يحدثها .. يتسم أبي بالصمت والقوة والصلابة ولكني لأول مرة لمحت في عينيه دمعة ..كنتُ أراقب حركاته وشفتيه وهو يحدث أمي شعرتُ بأن هناك خطب عظيم .. سمعت شهقة أمي فتوقف قلبي شعرتُ برتجافاتها ...أمسك أبي بها وسمعت كلماته الإيمانية وهو يطمئن قلبها.. أخذتُ أشق بسمعي المسافة التي تفصلني عنهما لأعرف ما يدور داخل الغرفة. استرقتُ الكلمات :

-         إصابة خفيفة .. في قدمه.. لا تخشي عليه .. سنذهب لإحضاره .. مستشفى .. ابقي في البيت .. لا تقلقي ..

دخلتُ الغرفة بسرعة سألتُ :

-         أمي أبي مَنْ الذي أصيب ؟؟!!

أبي :

-         لا شيء .. اذهبي عند أخوتك.

لم استجب مرة أخرى ناديت :

-         مَنْ الذي أُصيب ؟؟

أجابت أمي بصوت متقطع متهدج :

-         " رزق " أصيب في قدمه لا تخشي عليه.

في نفس هذه اللحظة دخل أخي الكبير وكان هادئ الطبع وقور ..
استند إلى الحائط وعينيه تملؤها الدموع ولأول مرة أراه منهزم
نظرت إليه أمي كانت نظراته ودموعه كفيلة بأن تمسح كل كلمات الاطمئنان التي بثها أبي في قلبها منذ لحظات.

اتجهت أمي إليه ، أمسكته بقوة واستحلفته :

-         بالله عليك ماذا حدث لأخيك ؟؟.. أين " رزق" ؟؟ ماذا حدث له؟؟

كنت أتابع بركان الفزع والخوف الذي اجتاح البيت . كان قلبي يشتعل فالصغار دوماً يستمدون الأمن والاطمئنان من الكبار لكن اليوم الكل فزع..مازالت أمي تستحلفهم :

-         بالله ماذا حدث؟

جاء صوت أخي مبحوحاً ، مقتولاً ، مسلوباً:

-         لقد قتلوه.. قتلوه.. " رزق " استشهد يا أمي .. استشهد..

كان اللفظُ صعباً ثقيلاً  أكبر من أن تحتمله تلك المرأة الصبور التي قضت عمرها زائرة للسجون ومتخفية في قلب العراء من أجل وطنها ومن اجل أبنائها الثوار .. وفي تلك اللحظات كان ابنها داخل السجن مسجونا مدى العمر .. لكن هذا الخبر كان أكبر ..كان أقسى .. انفطر قلبها وانفطر قلبي الصغير معها ..

رغم صغري تذوقتُ مرارة الألم ولم أرَ في بيتنا من قبل دموع مثل تلك الدموع..في ذاك اليوم الكل موجوع... بكت آمي .. بكى أبي .. بكى أخي..بكينا جميعا البطل الذي فدى الله بدمه ونصر أرضنا .. نصر قدسنا .. نصر أقصانا..

 هبَّ مع الآلاف.. دخل المستوطنة يتسلح بإيمانه بالله وبحقه ، و في يديه حجارة .. اقترب من المستوطنة..اقترب أكثر..صار الأقرب إلى الموت من أصدقائه.. يملأ عينيه إصرار وعزيمة ..  و يملأ يديه كوم حجارة .. مازال يقترب ..أكثر .. فأكثر ..لا يفصله عن الموت سوى خمسة أمتار .. شقت الرصاصات الهواء ..أصيب أصدقاؤه ..لم يتراجع .. ففي تلك اللحظات يموت الخوف في قلب المقاتل ويموت الفزع ويُولد شعورٌ جديدُ لا يعرفه إلا مَنْ صار هو والموت رفيقاً .. شعور اسمه التحدي والإصرار .. كثيفة صارت الرصاصات مرة أخرى شقت الهواء ..اخترقت جسده وبطنه ..لكنه لم يأبه شعر بالأمان .. شعر بالحرية .. شعر بالجنة تلفه .. رمى آخر حجارته قذفها بقوة .. ثم سقط.......... عانقت دماؤه التراب .. حُمل على الأكتاف شعر بالشمس تصافح وجهه وجسده .. رأى مكانه في الجنة ... فابتسم.
الآن فقط أدرك لماذا شعر منذ الصباح أن هذا اليوم مختلف ...!!


أتوا به للبيت .. دخلت عليه أمي .. كان وجهه مبتسم .. وقفتُ أنا أطالع الموقف ..اشتد النحيب في أرجاء البيت والشارع والحي بأكمله .. واشتد الحقد في صدري .. من يومها لم أعد طفلة بل كبرتُ عقودا وأعوام..
ولم يعد للطفولة في بيتنا مكان..

العجيب الغريب أنه عندما أنزلوا جسده الطاهر داخل البيت لتوديعه سقطت قطعة النقود تلك من جيبه .. دارت في الغرفة وتدحرجت بين الأقدام واستقرت بين قدمي ابنته .... فعلمتُ وقتها أنها لم تكن من حقي بل من حق ابنته ....

حملوه أخوتي على  أكتافهم وأبي يتقدمهم وملايين البشر من حولهم واتحد الهتاف :

-         " لا إله إلا الله.. والشهيد حبيب الله..

في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء

فليعد للدين مجده ولترق منا الدماء

فليعد للأقصى طهره ولترق منا الدماء...

في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء.."

جرى الحدث وانتهى وفي قلوبنا لم ينتهِ ودماء كل الشهداء لن تذهب سدى...

كان يا ما كان ... كان هناك ذكرى مرّت عبر عقل مَنْ كانت

يوم طفلة .. أخذها أخوها ليشترى لها لعبة ..

طوال الطريق وعقلها مشتت لا يشغله من الدنيا غير شكل

اللعبة ، ماذا سأختار ؟ ؟ أي لعبة ؟؟

وأخوها يدللها ويُذكرها بأسماء أكثر من مئة لعبة.. عروسة أم

حصان.. أرجوحة أم سفينة وقبطان؟؟

وفي جُم الدلال والولهان ... اخترقت رصاصة قلب أخيها الإنسان...!!

سكت اللسان .. وحُفر الكلام في الوجدان ..

كان يا ما كان ... كانت طفلة ذاهبة لإحضار لعبة فإذا بها

تحضر أكفان....!!

أهدأ أيها القلب الصغير.. فرحمة الله  على الفقيد ، لم يشترِ

لها لعبة لكنه منحها شفاعة سترافق بها الرحمن..


حتى الآن لا أعلم ماذا كنتُ سأختار عروسة أم حصان ..

أرجوحة أم سفينة وقبطان..؟؟!!

اليوم ما زلتُ أسأل عقلي بعد أن أصبحتُ أبلغ من العمر

ربع قرن وعام وأشهر وأيام  ..ماذا كنتُ سأختار ....؟؟!!

فتجيب الأيام ...

ما أتعسك يا رفيق الحرمان !

هل للفلسطيني خيار غير الأكفان ؟؟؟؟!!!


زينة زيدان